الجصاص
356
أحكام القرآن
قوله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) الآية ، روي عن أبي عبيدة قال : " يعني المودة وميل الطباع " ، وكذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة . وقوله تعالى : ( فلا تميلوا كل الميل ) يعني والله أعلم إظهاره بالفعل حتى ينصرف عنها إلى غيرها ، يدل عليه قوله : ( فتذروها كالمعلقة ) ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة : " لا أيم ولا ذات زوج " . وقد روى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " ، وهذا الخبر يدل أيضا على وجوب القسم بينهما بالعدل وأنه إذا لم يعدل فالفرقة أولى ، لقوله تعالى : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) [ البقرة : 229 ] ، فقال تعالى بعد ذكره ما يجب لها من العدل في القسم وترك إظهار الميل عنها إلى غيرها : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة ، تخوفا من ترك حقوق الله التي أوجبها ، وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه ، وبالله التوفيق . باب ما يجب على الحاكم من العدل بين الخصوم قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ) الآية ، روى قابوس عن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ) قال : " هو الرجلان يجلسان إلى القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه عن الآخر " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران الدينوري قال : حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا زهير قال : حدثنا عباد بن كثير بن أبي عبد الله عن عطاء بن يسار عن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لم يرفع على الآخر " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( كونوا قوامين بالقسط ) قد أفاد الأمر بالقيام بالحق والعدل ، وذلك موجب على كل أحد إنصاف الناس من نفسه فيما يلزمه لهم وإنصاف المظلوم من ظالمه ومنع الظالم من ظلمه ، لأن جميع ذلك من القيام بالقسط ، ثم أكد ذلك بقوله : ( شهداء لله ) يعني والله أعلم . فيما إذا كان الوصول إلى القسط ، من طريق الشهادة ، فتضمن ذلك الأمر بإقامة الشهادة على الظالم المانع من الحق للمظلوم صاحب